محمد عبد الكريم عتوم
45
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
وليس ثمة شك في أن الماوردي هو من أبرز من توفر على مسائل الأحكام السلطانية ، وجرد فيها من النصوص ومن التجربة التاريخية متلازمة صورة متكاتفة باعتبارها أهم منصب ديني « 1 » . وقد أصبحت عبارة الماوردي " الإمامة موضوعةً لخلافة النبوة في حراسة الدين ، وسياسة الدنيا " ، مبدأ كل التحديدات التي انصرف إلى صياغتها المفكرون السياسيون في الإسلام ، وارتبط بهذا التحديد عنده ما يلزم الخلافة من واجبات حصرها في عشرة أشياء " أحدها حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة ، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل والأمة ممنوعة من زلل ، الثاني تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم . الثالث حماية البيضة والذب عن الحريم لينصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال . والرابع إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك . والخامس تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً . والسادس جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله . والسابع جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف . والثامن تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعة في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير . التاسع استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال ، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة . العاشر أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلًا بلذة أو عبادة ، فقد يخون الأمين ويغش الناصح ، وقد قال تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 2 » فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة ولا عذره في
--> ( 1 ) - جدعان ، 1989 ، 298 . ( 2 ) - ص ، آية 26 .